يوسف المرعشلي

1089

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

يشذ عنه نادرة منه ، وأنه يمكنه أن يملي من حفظه كتاب « الأغاني » ، و « شرح ديوان الحماسة » ، و « أمالي القالي » ، و « كامل المبرد » ، ومختارات الشعراء الثلاثة الطائي والبحتري والمتنبي ، وشعر أبي العلاء « اللزوميات » و « سقط الزند » ، وغير ذلك من محفوظاته ، التي يستبعد العقل حفظها ووعيها في صدره . * نشأته وأخلاقه نشأ رحمه اللّه في طاعة اللّه ، فلم تعرف له صبوة في شيء سوى الانكباب على العلم منذ حداثة سنه ونعومة أظفاره ، ملازما مدرسته ، بعيدا عن قرناء السوء ، ولم يتزوّج مطلقا ، ينفر من الزواج ، وكنت إذا عرّضت له بالزواج ورغّبته فيه ينشدني قول المتنبي : وما الدهر أهل أن يؤمل عنده * حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل ثم يتبع هذا البيت بأبيات كثيرة في هذا المعنى من اللزوميات وغيرها ، وكان لا يغفل التدقيق في أحوال الدنيا ومراقبة شؤونها وتلاعبها بأهلها ، فكان يراها كما هي حقيقتها دار محبة وشقاء ، نعيمها زائل وظل الحياة فيها منتقل باطل ، تعاقب على أهلها السعادة والشقاء ، ولذا كان حب الدنيا الذي يعتري قلوب عشاقها المتهالكين في طلبها وجمع حطامها بعيدا عن قلبه ، فكان لا يفرح بما أوتيه ولا يحزن على ما فاته ، نقي الفؤاد من مرض الحقد والحسد ، نفورا من آفة الغيبة والنميمة ، حتى إنه كان لا يقابل من بلغه عنه أنه حسده أو اغتابه بغير قوله عفا اللّه عنه . وكان مع هذه الخلال الحميدة سخي الطبع يحب التفضل على الإخوان ، ولا يقصّر في برهم وإكرامهم كما أنه لا يقصّر في التصدق على الفقراء والمعوذين . وكان لا يتأخر عن إجابة من طلب منه قرضا وإن علم أنه غير قادر على الوفاء ، وكان لطيب سريرته لا يظن السوء بأحد ، فكان عظيم الثقة بمن يأتمنه على ماله مكتفيا منه بقوله . * وظائفه وخدماته ناهز رحمه اللّه سن الخمسين ولم يكن له من الوظائف المقررة سوى نحو 200 قرش في الشهر ، مع أنه في ذلك السن كان قد اشتهر فضله وطار في العالم الإسلامي صيته ، وقصده رواد العلم وطلابه يأخذون عنه بعض ما أشكل عليهم حله من المسائل العلمية في فنون شتى ، وكان سبب قلة رواتبه عدم تعرضه لشيء من الوظائف صونا لشرف العلم عن التبذل ، وقناعة بما يسّر اللّه له من كفاف العيش . وأول وظيفة حازها أمانة الفتوى حينما كان الشيخ محمد العبيسي الحموي مفتيا في حلب ، فكان هو والشيخ بكري العنداني أميني الفتوى لديه ، ثم عيّن مدرّسا أصالة في مدرسة سعد اللّه الملطي في جامع الصروري في البياضة ، وفي مدرسة القرناصية ، ثم لما حصل الانقلاب الدستوري العثماني ، انتخب رئيسا لجمعية الاتحاد والترقي في حلب . وفي هذه الأثناء عرضت عليه فتوى حلب ، وألحّ عليه أولو الحل والعقد قبولها فلم يفعل رعاية للمفتي الموما إليه ، ولما فتح مجلس النواب المعروف بمجلس المبعوثين في الآستانة انتخب أخي نائبا عن حلب في جملة من انتخب من نوابها ، واستمر ينتخب لهذه الوظيفة كلما تجدد الانتخاب غير منقطع عن هذا المجلس سوى سنة واحدة . ولما كانت الحرب العامة وأغلق مجلس النواب بقي أخي في حلب ، فانتخب عضوا في محكمة الحقوق ، ثم عيّن رئيسا فيها ، وبعد انقضاء الحرب ودخول العرب إلى حلب عيّن مدرسا في المدرسة الرضائية ، ثم قاضيا في محكمتها الشرعية ، فاستمر في هذه الوظيفة نحو سنتين ، ثم بعد دخول الدولة الإفرنسية إلى حلب عيّن قاضي القضاة لدولة حلب ، وكان المرض قد ظهر في جسمه واشتدت نكايته فيه ، فتردّد إلى محل وظيفته مرة أو مرتين ، ثم عاقه المرض عن وفائها إلى أن أدركته الوفاة . * الآخذون عنه من فضلاء الأتراك بعد أن جاور في العثمانية كما تقدم ، شاع فضله ، فأقبل عليه كبار الطلبة يتلقون عنه العلوم الآلية والفنون الأدبية ، ولازمه جماعة من أدباء الأتراك وأفاضلهم منهم : الكاتب التركي الشهير بعلي كمال بك ، أخذ عنه من مختارات النظم والنثر ما يملأ مجلدا ، ومنهم : مظهر بك ابن بدري بك رئيس إدارة البرق والبريد لازمه مدة طويلة ، وأخذ عنه كثيرا من العلوم الآلية والآداب العربية وأعانه على ترجمة « ألفية ابن